تقارير

محمود الجمل يكشف فى دراسة بحثية عن العلاقات المصرية مع دولة جنوب السودان “مرحلة ما بعد الاستقلال”

 

العلاقات المصرية مع دولة جنوب السودان

مرحلة ما بعد الاستقلا

بحث يكتبه :

محمود سعد الجمل

باحث ماجستير – كلية الدراسات الافريقية العليا – جامعة القاهرة

مقدمة

أولا- موضوع الدراسة :

تبدو أهمية دولة جنوب السودان في كونها واحدة من دول حوض النيل ، وواحدة ممن يملكون أحد منابع النهر المتمثل في حوض بحر الغزال الموجود داخل حدودها ، وبالتالي فهي واحدة من الدول الإحدى عشر الذين يمثلون دول وادي النيل ، وتملك الدولة الوليدة حدودا مشتركة مع ست دول افريقية هي : أوغندا وكينيا وأثيوبيا وأفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية والسودان .

وما جرى عقب استفتاء 9 يناير 2011 تنفيذا لاتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان ، والذي أسفر عن انفصال الجنوب تماما ، والاعلان في 9 يوليو 2011 عن نشأة دولة جديدة تحتل رقم 54 بين الدول الافريقية ، ورقم 193 ضمن الدول الممثلة بالأمم المتحدة ليصبح أمامنا كيانا سياسيا جديدا ، ليس بعيدا تماما عن الاهتمامات المصرية الاستراتيجية ، حيث أن هذا الانفصال لم يكن ليتم لولا تدخلات دولية كان على رأسها التدخلات الأمريكية والاسرائيلية التي تحرص على إيجاد مناطق توتر ومساحات نفوذ تستطيع من خلالها تنفيذ سياساتها في التحكم والسيطرة وبذل النفوذ .

وفي مواجهة مخططات القوى الدولية الفاعلة ، ولما لدولة جنوب السودان من أهمية جيوبوليتيكية ، ولكونها دولة ناشئة تواجه العديد من التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية ، في ظل تناقضات داخلية وتعقيدات خارجية ، فضلا عن الضعف الهيكلي الذي يطبع خصائصها القومية ، ويفرض عليها أنماطا سلوكية وهي تتعامل مع محيط اقليمي ودولي يتسم بالتدافع وتحركه نوازع القوة والمصلحة ، وهي تسعى إلى التوازن بين الاحتياجات الأمنية والاقتصادية من جهة واستقلاليتها من جهة أخرى ، ومن هنا تسعى الدراسة إلى معرفة طبيعة توجهات السياسة الخارجية لدولة جنوب السودان وتحليل ممارساتها ، ومعرفة تأثيراتها ودلالاتها على الأمن القومي المصري .

قامت مصر بتطوير سياساتها التعاونية، وبناء علاقات استراتيجية مع جنوب السودان، خاصة فيما يتعلق بقضية المياه التي تمثل جزءا جوهريا وحيويا من مصالح امنها القومي. فقد كانت الرؤية المصرية في البداية تقوم علي ضرورة الحفاظ علي وحدة السودان، ومعارضة تقسيمه، مع اعادة توزيع السلطة والثروة بشكل متساو علي اساس مبدأ المواطنة، فمصر كانت تخشي التأثيرات المحتملة لانفصال الجنوب علي امكانيات التعاون المائي مع دول حوض النيل، خاصة بعد توقيع اتفاق عنتيبي في مايو 2010 ، كما كانت تخشي التداعيات السلبية التي قد تترتب علي قيام دولة غير مستقرة بجنوب السودان ، ومن ثم عارضت مصر مبادرة “ايجاد” للسلام في السودان.

وبذلت مصر بعد التوقيع علي اتفاق نيفاشا جهودها بهدف جعل الوحدة خيارا جاذبا لابناء الجنوب، فشاركت ضمن بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلم في الجنوب السوداني. وافتتحت قنصلية لها في جوبا عاصمة الجنوب عام 2005وقدمت الكثير من المساعدات التنموية للجنوب، شملت انشاء محطات لتوليد الكهرباء، ومراكز طبية ومدارس. كما خصصت منحا دراسية لأبناء الجنوب في الجامعات المصرية وتعهدت بانشاء فرع لجامعة الأسكندرية في جوبا..

ويبدو ان مصر وهي حليف استراتيجي للسودان، قد تحول موقفها – ولو بحذر شديد _ لصالح الجيش الشعبي لتحرير السودان .

وربما يعزي ذلك التحول في الموقف المصري الي خوف نظام مبارك من انتشار الصحوة الاسلامية عبر السودان. فنظام مبارك كان يخوض حربا داخلية غير معلنة ضد الأسلاميين، كما ان محاولة اغتيال الرئيس الأسبق حسني مبارك في اديس ابابا في يونيو 1995 قد أدت الي تفاقم العلاقات المتوترة بالفعل بين اثيوبيا والسودان من جهة، وبين السودان ومصر من جهة أخري. ويعزز ذلك زيارة الرئيس المخلوع لجوبا في في 2008.

لذلك يحمل البعض مصر جزءا من من المسئولية عن انفصال الجنوب، باعتبار انها لم تشارك بقوة ايضا في مفاوضات التسوية السلمية في ماشاكوس وناكورو ونيفاشا، وان دورها في منع الانفصال كان قاصرا علي مجرد ضخ بعض الاستثمارات في مجال البنية التحتية في الجنوب، وانه اتخذ في الغالب شكل ردود الأفعال وليس المبادرات، وان اهتمامها بالجنوب تركز بشكل اساسي في مسألة المياه.

وكذلك فيما يتعلق بالصراع الدائر في جنوب السودان، لم تشارك مصر فعليا في مفاوضات التسوية السلمية، وذلك في ضوء تحفظات المتمردين في جنوب السودان، وبعض دول ايجاد، انما حثت فقط اطراف الصراع علي الوصول الي تسوية تفاوضية، حيث اكدت ذلك خلال زيارة وزير الخارجية المصري لجوبا، وكذا خلال زيارة سلفاكير للقاهرة في نوفمبر 2014.

ثانيا – أهمية الدراسة :

تكمن الأهمية النظرية لهذه الدراسة في كونها تغطي نقصا في الدراسات المتخصصة لدولة جنوب السودان ، الأمر الذي سيوفر كما من المعلومات اللازمة للتعامل مع النظام الجديد ، ويتفاعل مع المستجدات الخاصة بالدولة الوليدة ، ويقترب من تفاصيل الصراع الداخلي بها ، فضلا عن تشابكات علاقاتها الخارجية .

أما الأهمية العملية لهذه الدراسة فلكون دولة جنوب السودان شريك رئيسي في دول حوض النيل وواحدة من دول المنبع ، الأمر الذي يشكل أهمية كبرى لمصر التي تعاني من مشكلات خاصة بتوفير احتياجاتها المائية ، مما يدعو الجانب المصري إلى ضرورة التعامل مع كافة التحديات الخاصة بهذا الملف بما يقوي من الموقف القومي والوطني للدولة المصرية .

ثالثا – مشكلة الدراسة :

برغم التطمينات الدائمة التي ترسلها حكومة جنوب السودان إلى مصر ، والتي تؤكد فيها على عدم المساس بحصة مصر من مياه النيل ، وان العلاقات التاريخية بين الشعبين تظل حائلا منيعا في وجه أي محاولة للنيل من حصة مصر ، إلا أن هذه التطمينات بالتأكيد تتقاطع في ظل وجود ارتباطات قوية لدولة جنوب السودان مع إسرائيل ، والتي تلعب هي الأخرى أدوارا خلفية غير معلنة ضد المصالح المصرية ، وبالتالي فإن سياسة الدولة الناشئة تخضع لحسابات المكسب والخسارة ، فضلا عن امكانية تعرضها للعديد من الضغوط الدولية والإقليمية ، إلى جانب وجود قضايا خلافية داخل الدائرة النيلية ، وامكانية خضوعها للاستقطاب ، مما يصعب عملية تبني مواقف متوازنة ، لذا تبرز أهمية تحليل توجهات السياسة الخارجية على نحو متعمق يمكن الادارة المصرية من رصد وتحليل طبيعة توجهات السياسة الخارجية لدولة جنوب السودان وتأثيراتها على الأمن القومي المصري .

رابعا – الدراسات السابقة :

1- Naseem Badiey , The State of Post –conflict Reconstruction : Land, urban development and state- building in Juba, Southern Sudan (Rochester: Boydell and Brewer , August 2014 ) .

يتناول الكاتب في هذه الدراسة الديناميات المحلية للعاصمة جوبا ، خلال فترة التحول المحورية في أعقاب الاتفاق الشامل ، حيث يؤكد أنها تواجه تحديات أكبر على المستوى المحلي ، إلى جانب إعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع ، وإعادة بناء الدولة باعتبارها ” عملية اجتماعية ترتكز على التفاوض ” ، بالاضافة إلى التفسيرات المختلفة لاتفاقية السلام الشامل ، والتي يرى الكاتب أنها يتم تفسيرها بما يتماشى مع المصالح الاقتصادية والسياسية للأطراف المختلفة .

كما يحاول الكاتب في هذه الدراسة أن يقدم أساسا لفهم التحديات التى تواجه بناء الدولة في جنوب السودان ، وسبل اعادة الاعمار بعد الصراع ، والتنمية الحضرية في جوبا ، حيث يتناول الكاتب في الجزء الأول تاريخ الأحداث حتى توقيع اتفاقية السلام الشامل في يناير 2005 في نيروبي بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان .

وفي هذا السياق.. يؤكد مسئولية الشركاء الدوليين والجهات المانحة التي لم تتوقع الانقسامات الداخلية التي تعوق إعادة الإعمار في جوبا ، مما يثير تساؤلات جدلية حول أدوارها وحول جدوى اقامة دولة مستقلة .

ويختتم الكاتب دراسته بالتأكيد على أهمية انهاء الانقسامات الداخلية والتنافس على السلطة في جنوب السودان ، الذي أدى إلى تقويض الاستقرار السياسي والأمني ، وخلف وراءه أعداد من الضحايا تفوق تلك الناجمة عن الصراع بين جنوب السودان والحكومات المتعاقبة في السودان .

ويبقى القول بأنه لا توجد دراسة واحدة عميقة تناولت بالشرح والتحليل السياسة الخارجية لدولة جنوب السودان ، وكذلك لم نجد دراسة تركز على المحددات الأساسية للسياسة الخارجية لجنوب السودان وتوجهاتها تجاه الدوائر والقضايا المختلفة بشكل يرسم صورة شاملة للسياسة الخارجية لهذه الدولة ، وهو ما حاولت الدراسة القيام به .

2- Kuir Garang, South Sudan Ideologically ( Calgary : The Nile Press , 31 August 2013 )

تعتبر هذه الدراسة من أهم الدراسات عن جنوب السودان ، حيث يقدم الكاتب – الذي ولد في جنوب السودان وعاش لاجئا في العديد من الدول الافريقية قبل أن ينتقل إلى كندا عام 2002 – رؤية جنوبية لقضايا شعب جنوب السودان ، ويتناول بالتحليل فترة ما قبل استقلال دولة الجنوب وقضايا النضال والتحرير ، وأهم الأحداث التاريخية والأيدولوجيات المتعددة في الجنوب ، مع الاعتزاز بالانتماء الإفريقي ، وانتقاد السياسات البريطانية والمصرية وسياسات السودان في التعامل مع قضايا الجنوب .

ويرى الكاتب أن جنوب السودان قد عانى من ويلات العبودية على أيدي العرب والأتراك ، حيث يؤكد أن ما عاشه شعب جنوب السودان كان نتاجا حتميا للهيمنة العربية الإسلامية خاصة في ظل تجاهل الأصوات المطالبة بالحرية والانفصال متمثلة في الزعماء والقادة الجنوبيين ، وذلك من قبل البريطانيين والمصريين والسودانيين العرب ، وفي ذات الاتجاه يعلي الكاتب أصوات هؤلاء القادة والزعماء حيث يعتبرهم أبطال معركة التحرير الذين نادوا بالقضية في مؤتمر جوبا 1947 ، والذي يرى الكاتب أنه سببا لما أصبح عليه جنوب السودان لاحقا من تعقيدات وأزمات داخلية وخارجية نتيجتها الحتمية كانت الفوضى .

ومن ناحية أخرى يعتبر الكاتب أن نظام الحكم السائد بين جماعات جنوب السودان نظام ديمقراطي ، تنبع ديمقراطيته القبلية من عاداته وتقاليده ، وكذلك طرق حله ومعالجته للمشكلات والاعتماد على تقييم أنظمة الحكم بين القبائل من آن لآخر .

وعلى الرغم من ذلك ، فقد ظل التعامل السائد معهم من قبل العالم على أنهم أناس همج وغير متحضرين ، ويتضح ذلك من خلال العديد من الكتب والمقالات للباحثين العرب والأوروبيين والتي تناولت جنوب السودان واهتمت بقضاياه ، حيث يرى الكاتب أنها لم تكن عادلة في تناولها لقضايا الجنوب .

وفي هذا السياق يمكننا أن نلخص ما تناوله الكاتب في الرفض للمفهوم العربي الأوروبي للتحضر ، حيث حاول الكاتب تحليل شعب جنوب السودان ، وأيدلوجياته المختلفة ونضاله ، وحتى الشخصيات والرموز التي تمثله وتقف خلفه ، تحليلا نقديا موضوعيا غير منحاز لحزب معين أو جماعة بعينها ، ويختتم الكاتب دراسته بالتطرق لمشكلات النظام الحاكم الحالي ومستقبل دولة جنوب السودان .

3- إيهاب إبراهيم سيد ، تداعيات انفصال جنوب السودان على الأمن القومي المصري ( رسالة ماجستير ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة ، 2014 )

تسعى الدراسة إلى بحث وتحليل العلاقة بين انفصال جنوب السودان والأمن القومي المصري ، حيث تتناول الدراسة في الجزء الأول التطور التاريخي وأسباب الصراع بين شمال وجنوب السودان ، ثم يوضح الباحث في الجزء الثاني الأهمية الجيوبوليتيكية والاستراتيجية لدولة السودان ، وطبيعة التدخلات الاقليمية والدولية وتأثيراتها على انفصال الجنوب ، ثم يتناول الجزء الثالث أثر انفصال الجنوب على الأمن القومي المصري بشكل أكثر تفصيلا مائيا واقتصاديا

وسياسيا وأمنيا واجتماعيا وثقافيا ، وفي النهاية يقدم الباحث مسارات وآليات وإجراءات التحرك المصري لتنمية العلاقات مع جنوب السودان .

وفي هذا السياق يؤكد الباحث أن مصر تسعى إلى ضمان أمنها القومي من خلال التوجه جنوبا لتقليص فرص تواجد القوى المضادة للمصالح المصرية سواء من السودان أو جنوب السودان ، ومنع النزاعات الداخلية أو الاقليمية على هذا الاتجاه باعتبارها تهديدا للمصالح المصرية ، وبالتالي تهديدا للأمن القومي المصري ، كما يؤكد أن أي تهديد للأمن القومي السوداني سواء كان مصدر هذا التهديد داخليا ( من داخل السودان في شكل نزاعات انفصالية ، أو اقليميا من جانب دول افريقية مجاورة وخصوصا كينيا وأثيوبيا ، أو دوليا من جانب الولايات المتحدة وفرنسا واسارائيل ) إنما ينعكس بشكل مباشر على الأمن المصري .

ويذهب الباحث إلى أن انفصال جنوب السودان يمثل نجاحا لمتوالية الانقسامات التي تعاني منها بعض الدول العربية ، فضلا عن استمرار المشاكل بين الشمال والجنوب حتى بعد الانفصال ، دون التوصل لحل هذه المشاكل مثل مشكلة ابيي ، مما يعطي الفرصة للدول غير العربية سواء على المستوى الاقليمي أو الدولي للتدخل في شئون السودان شمالا وجنوبا مما يؤثر على الأمن القومي المصري .

وختاما يؤكد الباحث أن مصر هي الخاسر الأكبر من عملية إنفصال جنوب السودان ، لخطورته على الأمن القومي المصري والعربي ، إذ أن تفتيت السودان إلى دويلات ضعيفة سيعطي الفرصة للتدخل الأجنبي ، ويهدد أمن مصر واستقرارها , وخاصة أن جنوب السودان اتخذ اتجاها غير عربيا ، مما سيغلب طابع العداء لمصر ، ومحاربة مصالحها وخاصة المصالح المائية في نهر النيل ، وذلك بسبب علاقة القيادات الجنوبية منذ أمد طويل بإسرائيل والتي تضاعفت بعد انفصال جنوب السودان .

خامسا – تساؤلات وفروض الدراسة :

1- ما هي محددات السياسة الخارجية لدولة جنوب السودان ؟

2- كيف تؤثر قضايا وأزمات بناء الدولة والاعتراف بها على السياسة الاخراجية لجنوب السودان كدولة ناشئة ؟

3- كيف تؤثر المواقف السابقة للدول من مسألة الانفصال على سياسات جنوب السودان ؟

4- ما هي أجهزة صنع السياسة الخارجية لدولة جنوب السودان ؟ وما هي أدوات تنفيذها ؟

5- ما هي أبعاد التهديد لجنوب السودان للأمن القومي المصري ؟

6- ما هي السيناريوهات المتصورة لتطور السياسة الخارجية لجنوب السودان ؟

7- ما هي بدائل وخيارات السياسة المصرية لادارة العلاقات مع جنوب السودان ؟

ويبقى الفرض الأساسي لهذه الدراسة بطبيعة توجهات السياسة الخارجية لجنوب السودان وهو :

• هناك علاقة ايجابية بين حداثة نشأة الدولة وتبنيها سياسات توازنية أقرب إلى الحياد الايجابي ، وفي هذا الاطار تطرح الدراسة فرضا فرعيا وهو :

• تتناسب التوجهات التعاونية أو الصراعية لجنوب السودان بعد الانفصال طرديا مع المواقف السابقة للدول الأخرى تأييدا أو معارضة من قضية الانفصال ، أي كلما كانت الدول والأطراف الثالثة أكثر تأييدا لحق الجنوب في الانفصال أدى ذلك إلى تبني الدولة توجهات تعاونية إزاء هذه الدول والأطراف الثالثة وصولا إلى التماهي مع سياساتها ، وفي المقابل تتبنى الدولة سياسات معادية تجاه الدول والأطراف الثالثة التي عارضت الانفصال .

المطلب الأول

تاثير السياسة الخارجية لجنوب السودان علي الامن القومي المصري

تسعي مصر من خلال التوجه جنوبا الي ضمان امنها القومي بضرورة العمل علي تقليص فرص التواجد الفعلي للقوي المضادة للمصالح المصرية سواء في السودان او جنوب السودان، ومنع النزاعات الأثنية والعرقية او الدينية علي هذا الاتجاه باعتبارها تهديدا للامن القومي المصري وتهديداللمصالح المصرية. كما تهدف مصر الي الحفاظ علي حجم مواردها المائية وامكانيةالعمل علي زيادتها، ولايتاتي ذلك الا بالتعاون مه جمهورية جنوب السودان، حيث يعتبر الجنوب المكانالافضل وربما الوحيد الذي يصلح لمشروعات زيادة حصة المياه لمصر والسودان. اكان ذلك بالتخزين او بشق الترع مثل مشروع جونجلي، كما يصلح ايضا لمشروعات توليد الطاقة الكهربية. (1)

وفي هذا السياق، يسعي هذا المطلب الي الاجابة على تساؤل رئيسي وهو.. كيف تمثل جنوب السودان وسياساتها الخارجية تهديدات أنيه ومستقبلية للأمن القومي المصري مائيا وسياسيا وامنيا.

أولا- مفهوم الامن المائي :

لاينفصل مفهوم الامن المائي عن مفهوم الامن القومي، حيث يعد الامن المائي جزءا اصيلا من الامن القومي لاي دولة، ومن ثم اتجهت العديد من الدراسات لتناول مفهوم الامن المائي ، الا ان اكثر هذه التعريفات شيوعا هو المتعلق بتحديد احتياجات الفرد المائية علي مدار العام، وهو مايعرف ب.. حد الامان المائي.. وهو متوسط نصيب الفرد سنويا من الموارد المائية المتجددة والعذبة في الاستخدامات الانتاجية مثل الزراعة والصناعة والاستهلاك المنزلي. واعتبر المنظور العالمي ان معدل 1000متر مكعب من المياه المتجددة للفرد في المتوسط، هو الحد الادني الذي دونه يتعرض البلد لمشكلة ندرة مياه تعرقل التنمية، وتؤثر سلبا علي صحة المواطنين. (2)

اما من منظور اقليمي، فهناك شبه اتفاق علي ان معدل 500 متر مكعب يعتبر حدا مناسبا للمناطق الجافة وشبه الجافة او القاحلة، ومنها منطقة الشرق الاوسط عامة، والمنطقة العربية خاصة. وباستخدام هذا المعيار للحكم علي مستوي كفاية الموارد المائية، قامت الامم المتحدة بتقدير عدد البشر الذين يعانون من ازمة نقص المياه في العالم، حيث تذكر التقارير المتخصصة ان عددهم مرشح للازدياد من 132 مليون نسمه عام 1990 إلي حوالي 904 مليون نسمة عام 2025 يتركز معظمهم في افريقيا واجزاء من غرب اسيا. (3)

وانطلاقا مما سبق، يمكن القول بان الامن المائي يقصد به. المحافظه علي الموارد المائية المتوافرة، واستخدامها في الشرب والري والزراعة، والسعي بكل السبل للبحث عن مصادر مائية جديدة، وتطويرها ورفع طاقات استثمارها، لتامين التوازن بين الموارد المائية والطلب المتزايد عليها. (4)

1 – د . اجلال رأفت وآخرون ، انفصال جنوب السودان : المخاطر والفرص ( بيروت : المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، ط 1 ، يوليو 2012 ) . ص ص 12 -13 .

2 – رمزي سلامة ، مشكلة المياه في الوطن العربي : الصراع والتسوية ( الاسكندرية : منشأة دار المعارف ، ط 2 ، 2001 ) ، ص 9 .

3 – رمزي سلامة ، مرجع سبق ذكره ، ص 10

4 – منذر خدام ، الأمن المائي العربي : الواقع والتحديات ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، ط 2 ، 2001 ) ، ص 27 .

ثانيا.. ابعاد الامن المائي المصري :

 تعد مصر اكثر دول حوض النيل اعتمادا علي مياهه، لذا كان طبيعيا ان يمتد مفهوم الامن المائي الي المنابع الرئيسية في حوض النيل ليعتبر اي عمل يجري به من شأنه التأثير علي حصة مصر المائية المقررة سنويا وهي 5و55 مليار متر مكعب سنويا، عملا يمس الامن القومي المصري بشكل مباشر، مع التسليم بوجود اتفاقيات قانونية تنظم حصول مصر علي حصتها المقررة سنويا. (1)

ذلك في الوقت الذي تحاول فيه مصر زيادة حصتها من المياه لمواجهة احتياجاتها المتزايدة منها عاما بعد عام ، وهو الأمر الذي قد تنشأ عنه أزمة سياسية تحتم على متخذي القرار وصانعي السياسة مواجهتها . (2)

وبالاطلاع علي الميزان المائي المصري عامي 1997و 2017 وفق ما انتهت اليه خطة وزارة الموارد المائية والري، سنجد ان نهاية عام 2017 ستشهد عجزا في الميزان المائي المصري مقداره مليار متر مكعب تقريبا، وذلك بأفتراض اضافة 9مليارات من الامتار المكعبة الي الإيراد المائي من خلال انجاز المرحلة الاولي لمشروع جونجلي.. مليار متر مكعب..، وتطبيق نظم الري الحديثة.. 4 مليارات متر..، وتطوير التركيب المحصولي.. 3 مليارات متر… ويعني هذا ان العجز المائي قد يصل الي 10 مليارات من الامتار المكعبة في حالة عدم انجاز هذه المشروعات. (3)

ومن ناحية اخري، فان وجود المنابع خارج الحدود السياسية للدولة، واعلان بعض الدول انها لاتتقيد باتفاقيات النيل المبرمة بحجة انها ابرمت في الفترة الأستعمارية، وكذلك طموحات بعض الدول في الاستفادة من مياه النيل، كالطموحات الإسرائيلية في مد المياه الي صحراء النقب، خاصة في ظل وجودها المؤثر في بعض دول الحوض، ومنها جنوب السودان، تعتبر من أهم تهديدات الأمن المائي المصري، وذلك اذا ماأدركنا ان حوالي 45٪ من حوض النيل يقع في جنوب السودان. (4)

وان 90٪ تقريبا من جنوب السودان يقع داخل حوض النيل، وان حوالي 28٪ من مياه النيل تعبر الحدود من جنوب السودان واضافتها لنهر النيل قد تصل الي حوالي 20 مليار متر مكعب. (5)

1– نادر نور الدين ، مصر ودول منابع النيل : الحياة والمياه والسدود والصراع ( القاهرة : دار نهضة مصر ، ط1 ، 2014 ) ، ص ص 27 – 30

2- أشرف محمد كشك ، السياسة المائية المصرية تجاه دول حوض النيل ( رسالة ماجستير ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة ، 2005 ) ، ص ص 21 – 23

3 – عبداللطيف فاروق أحمد ، انفصال جنوب السودان وتأثيراته على الأمن القومي المصري ( القاهرة : المكتب العربي للمعارف ، 2016 ) ، ص ص 143 – 144

4-Ana Elisa Cascao , ” Changing Power Relations in the Nile River Basin : Unilateralism vs. Coopperation ? ” ,WaterAlternatives (Lonndon :WaterAlternatives,Volum 2 ,2009)

5 – هناك تقديرات أخرى وفقا لتقرير وزارة الري السودانية تؤكد أن حوالى 42 مليار متر مكعب ةمن المياه تفقد سنويا بجنوب السودان ، منها حوالي 14 مليار تضيع في مستنقعات بحر الجبل

ثالثا – تأثير السياسة الخارجية لجنوب السودان علي الأمن المائي المصري :

 يري د. عبدالملك عوده استاذ العلوم السياسية، ان اخطر مناطق السودان هي الشمال وليس الجنوب، لأنه يمثل ارضا جاهزة للأستصلاح الزراعي يمكن ان تتحول الي الري الدائم، وبالتالي يمكن بناء سدود في شمال السودان وليس الجنوب، وقد اتضح هذا في محاولة الحكومة السودانية الأتفاق المباشر مع اثيوبيا وبدون مصر في عامي 1991و 1993. (1)

ذلك في حين يري البعض الآخر ان سياسة جنوب السودان سوف تؤثر سلبيافي أمن مصر المائي، فجمهورية جنوب السودان هي الشريك الحادي عشر في حوض النيل، وفي ظل العلاقات الوثيقة التي تربط بين جنوب السودان وكل من اثيوبيا ودول البحيرات العظمي، فمن المرجح ان تميل المواقف والتوجهات السياسية والمائية للدولة لصالح دول منابع النيل، اذ من المتوقع في هذه الحالة استجابة جنوب السودان الي دعوة اثيوبيا لها للانضمام الي اتفاقية عنتيبي، وهو احتمال قائم مثلما أكد وزير الري في جنوب السودان. (2).

واخيرا، ارتباط جنوب السودان وقوي خارجية تتعارض سياساتها مع المصالح المصرية يعني إعادة صياغة التوازنات الاقليمية بالخصم من القدرات المصرية، وهذا يبرز دور إسرائيل التي تجدد آمالها في تحقيق حلمها القديم باقتناص حصة من مياه نهر النيل تصل الي مليون متر مكعب سنويا لدي صحراء النقب، وهو ماقد يفرض مزيدا من الضغوط علي صانع السياسة المصرية. (3).

ولعل مايعزز هذا الأحتمال هو دعم إسرائيل القوي للحركة الشعبية، ومبادرتها بالأعتراف بدولة الجنوب لدي قيامها، وتبادل التمثيل الدبلوماسي الكامل معها علي مستوي السفارة، وحضورها القوي في الجنوب في مجالات التدريب العسكري والتسليح والاستثمار، خاصة في قطاع البنية الاساسية والزراعة والبناء والتشييد. (4).

لذا فمن المرجح ان تستثمر اسرائيل مااتبعته من سياسات استباقية في ممارسة ضغط علي جنوب السودان، من اجل التشدد في الموقف التفاوضي مع مصر، وذلك بالتنسيق مع باقي دول المنابع الاخري، خاصة اثيوبيا واوغندا التي تملك علاقات قوية ومتنامية مع اسرائيل.

وفي تقديري لن تلتفت جنوب السودان الي قضية المياه في الوقت الحالي، حيث أن مسألة المياه ليست من اولويات الجنوب في ظل الحرب الأهلية الدائرة بين فريقي الرئيس سلفاكير ونائبه د. رياك مشار، واتساع نطاق العنف المسلح فيها، لذلك ستسعي جنوب السودان الي بناء علاقات تعاونية مع القوي الأقليمية وعدم الدخول في تفاعلات صراعية بشأن مياه النيل.

1- ايهاب ابراهيم السيد ، تداعيات انفصال جنوب السودان على الأمن القومي المصري ( رسالة ماجستير ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة ، 2014 ) ، ص 135

2 – Ahram Online ,”South Sudan signing Entebbe agreement ” 26 March 2013, at :http// English .ahram.org.eg/News / 67803 . aspx ( 22 -8 -2016 .11:00 am )

3- M.A .Salman ” The New State Of South Sudan and the hydro-politics of the Nile Basin “, Water International((Lonndon:Routledge ,AVol 36 .No 2 2011) Pp 158 – 159

4 – Sudan Tribune ,”Prisident Kiir concludes aquick visit to Israel” 21 -12 -2011

:http// sudantribune .com .article41052 (18 – 10 m-2016 .9:00 am)

المطلب الثاني

التاثيرات السياسية والامنية علي الأمن القومي المصري

لاشك انه في حالة تعزيز ذلك التوجه الجنوبي لجنوب السودان وامكانية استقطاب الخرطوم اليه تحت ضغوط دولية ومحلية، فان ذلك يمثل تهديدا للمكانة الاقليمية لمصر. اذ سوف تنظر حكومة الخرطوم الي منافع والتكامل الاقليمي مع دول شرق افريقيا، واقامة شراكة جديدة ربما تكون علي حساب علاقاتها التاريخية مع مصر في الشمال. كما تحدث البعض عن امكانية تاسيس مثلث للطاقة يضم الخرطوم وجوبا واديس ابابا. وطبقا لاحد مستشاري رئيس الوزراء الاثيوبي فإنه ” اذا كانت اثيوبيا توفر الطاقة الكهربية وشمال السودان ينتج الغذاء وجنوب السودان يوفر النفط، فأنه علي مصر أن تدفع المال” (1).

اولا – أسس الرؤية المصرية لتحقيق الأمن في الأتجاه الجنوبي :

تتحدد أسس الرؤية المصرية لتحقيق الأمن في الأتجاه الجنوبي من خلال عدد من العناصر اهمها :

1- ان أمن السودان يرتبط بالأمن القومي المصري في نطاق العقيدة العسكرية المصرية.

2 – دولتا السودان تمثلا ركيزة للأمن المائي المصري، وأي مساس بالأمن المائي يهدد الأمن القومي المصري.

3 – أمن الحدود فهو مسئولية مشتركة خاصة في المناطق التي تدور حولها توترات او صراعات.

 4 – يوجد لمصر قوات عسكرية ومراقبون ضمن قوات حفظ السلام الدولية / الافريقية والتي تعمل في جنوب السودان ودارفور، ويقع أمن هذه القوات علي عاتق حكومة السودان وحكومة جنوب السودان كالتزام ادبي ودولي. (2).

وفي هذا السياق، فأن التهديدات في الاتجاه الأستراتيجي الجنوبي ستؤدي الي اضطرار مصر للاحتفاظ بقوات مسلحة بحجم مناسب في هذا الأتجاه، وهذا يعكس آثاره في زيادة الإنفاق العسكري ومايتطلبه من تجهيز مسرح العمليات لمواجهة اية تهديدات مستقبلية. (3).

1 – د . حمدي عبدالرحمن ، : انفصال جنوب السودان وتأثيره على مصر الثورة: ، تحليلات ( الدوحة : مركز الجزيرة للدراسات يوليو 2011 ) .

2 – د . حمدي عبدالرحمن ، مرجع سبق ذكره .

3 – هيئة البحوث العسكرية ، تأثير انفصال جنوب السودان على الامن القومي المصري : الندوة الرئيسية للقوات المسلحة ( القاهرة : هيئة البحوث العسكرية ، وزارة الدفاع المصرية ، ابريل 2012 ) ، ص 37

وفي ذات الاتجاه، فأن اسرائيل سوف تسعي لاستخدام تواجدها الكثيف في جنوب السودان للعمل علي محورين اساسيين هما (1)..

* المحور الاول : يتعلق بأزمة المياه في حوض النيل، حيث تسعي إلي عرقلة اي مشروعات لأستقطاب الفواقد في جنوب السودان، وفي الوقت نفسه سوف تسعي الي تعقيد أزمة اتفاقية عنتيبي عبر علاقاتها الممتدة مع اوغندا وكينيا واثيوبيا..

* المحور الثاني : ينصرف الي اعطاء دفعة قوية لكل الصراعات والتوترات القائمة في السودان وجنوب السودان، بما يعني حصار مصر من الجنوب، واعادة رسم التوازنات في حوض النيل والقرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر لصالح الأستراتيجية الأسرائيلية وعلي حساب الامن القومي المصري.

ثانيا – التوجه الجنوبي لجمهورية جنوب السودان :

تشكل جنوب السودان من الناحية الجغرافية منطقة حبيسة ليس لها منافذ بحرية، وتعتمد فقط علي ميناء بورسودان، وعليه لايصبح امام الجنوبيين من خيار في حالة العداء أو القطيعة مع اخوانهم في الشمال سوي التوجه جنوبا نحو ميناء مومباسا في كينيا، وهنا تكمن اهمية الحديث عن الشراكة الأستراتيجية بين كينيا وجنوب السودان، كما ان هناك عوامل أخري نفسية وواقعية ترجح توجه جنوب السودان صوب كينيا، فقد حافظت كينيا طيلة الحرب الأهلية في جنوب السودان علي علاقة قوية ومتوازنة الي حد ما مع أطراف الصراع السوداني، وهو الأمر الذي جعلها في نهاية المطاف وسيطا مقبولا في عملية التسوية السلمية لهذا الصراع.

كذلك هناك روابط عديدة ثقافية واجتماعية، تربط جنوب السودان بجواره الاوغندي، كما أن اوغندا وفرت الملاذ والدعم المادي والعسكري لحركات تحرير جنوب السودان، وقد تلقي العديد من الجنوبيين تعليمهم في اوغندا، كما ان كبار قادة الحركة الشعبية يملكون عقارات واستثمارات في كمبالا.

1 – ايهاب ابراهيم السيد ، مرجع سبق ذكره ، ص ص 144 – 145

وفي مقابل النموذجين الكيني والأوغندي تأتي العلاقة بين جنوب السودان واثيوبيا لتطرح نموذجا آخر، حيث قدمت اثيوبيا الدعم الأكبر لحركة التمرد في جنوب السودان، ولاسيما في سنواتها الاولي، كما ان مانجستو هيلامريام قد وفر الدعم المادي والعسكري لقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان بعد تمردر “بور ” 1983.

ووفقا للمنظور المصري، كان السودان بتوجهاته العربية يمثل دوما عمقا استراتيجيا لمصر، بيد أن وجود دولة جنوبية اخري لها سياستها، افريقية الهوي والأنتماء، يعني خصما استراتيجيا بوجه مكانة مصر، وتعزيزا في المقابل لمكانة اثيوبيا، ولعل ذلك يطرح اشكالية مياه النيل والدور الذي تلعبه جمهورية جنوب السودان. اذ واجهت مصر خلال مفاوضات مبادرة حوض النيل مطالب جماعية من باقي دول الحوض بضرورة التخلي عن النظام القانوني السائد منذ العهد الأستعماري والذي يحكم توزيع نهر النيل واستغلاله.

وقد ساند السودان فقط الموقف المصري. علي ان وجود استقلال سياسة جنوب السودان، وان لم تكن تعاني هي نفسها من ازمة مائية، سوف يعني ولو في مرحلة لاحقة امكانية المطالبة بأعادة التفاوض علي اتفاقيات نهر النيل التي لم تكن جنوب السودان طرفا فيها. (1).

وأخيرا، يبقي الهاجس الأمني وعدم الاستقرار في جنوب السودان، احد الاعتبارات الكبري التي تهدد الأمن القومي المصري من ناحية، كما انها ستحدد ملامح العلاقة المصرية مع جنوب السودان من ناحية اخري، فقد يمتد تأثير الصراع الي بؤر التوتر الأخري في بعض دول الجوار. (2).

1 – د . حمدي عبدالرحمن ، : انفصال جنوب السودان وتداعياته ، مرجع سبق ذكره ، ص ص 311 – 313

2 – بلال عبدالله ، : التداعيات الاقليمية للصراع الداخلي في جنوب السودان : ، السياسة الدولية ( القاهرة : مؤسسة الاهرام ، يناير 2014 )

خاتمة

في نهاية الدراسة يمكن الخروج ببعض النتائج، وكذلك بعض السيناريوهات لمستقبل السياسة الخارجية لجمهورية جنوب السودان، وذلك علي النحو التالي:

اولا – نتائج الدراسة :

علي الرغم من مرور اكثر من عشر سنوات علي انفصال جنوب السودان، الا انها لاتزال بعيدة عن تحقيق الأستقرار، بل علي العكس من ذلك تواجه أخطر ازماتها الداخلية، الحرب الاهلية التي من شأنها ان تؤدي الي مزيد من حالات التفكك والأنقسام.

وفي هذا السياق تتنوع الازمات التي تعانيها جنوب السودان بين السياسي والأقتصادي والأجتماعي، بحيث يمكن تلخيص ابرزها فيما يلي :

1- الحرب الاهلية علي الرغم من انتهاء الصراع بين السودان وجنوب السودان منذ الأنفصال، الا ان ذلك لم يمنع اندلاع صراعات بين الجنوبيين انفسهم، وهوماتجلي عام 2013، اذ اندلعت مواجهات بين الحرس الرئاسي وعدد من الضباط، حيث اتهم الرئيس سلفاكير نائبه رياك مشار بالوقوف وراء محاولة انقلاب ضده، مما ادي الي حدوث انقسامات واسعة داخل المؤسسة العسكرية بجنوب السودان.

  2 – زيادة معدلات النزوح الداخلي واللجوء الخارجي : حيث ساهم تصاعد حدة الأقتتال الأهلي في ارتفاع مضطرد في اعداد النازحين الي الداخل، خاصة لمعسكرات الامم المتحدة، او اللاجئين للخارج ولاسيما دول الجوار الأفريقي.

3 – الازمة الاقتصادية المتفاقمة : تعتمد جنوب السودان علي النفط وصادراته بمايزيد عن 90٪ من عوائدها، ويبدو ان التأثيرات السلبية التي شهدها قطاع النفط في جنوب السودان في الفترة الاخيرة وتراجع الانتاج المحلي، ادي الي تفاقم الأزمة الاقتصادية التي نتج عنها انخفاض شديد في قيمة العملة المحلية بمايزيد عن 90٪ فضلا عن ارتفاع حاد في معدلات التضخم كنسب غير مسبوقة لتصل الي قرابة 300٪.

-4 تدهور الاوضاع الانسانية : حيث يعاني الملايين من حد الكفاف، وانعدام الامن الغذائي وامراض سوء تغذية حادة.

” وقد خلصت الدراسة الي ان السياسة الخارجية لجمهورية جنوب السودان سياسة توازنية تعاونية في طابعها المعلن، لكنها تتبني مواقف فعليا لاتحقق مصالح الدول التي عارضت في استقلالها وتبرر ذلك باعتبار الازمات الداخلية وصعوبات التعاون”. (1).

 1 – نهى محمد نديم ، السياسة الخارجية بجمهورية جنوب السودان وتأثيرها على الامن القومي المصري ( رسالة ماجستير ، معهد البحوث والدراسات الافريقية ، جامعة القاهرة ، 2017 ) .

واجمالا فان السياسة الخارجية لجنوب السودان تواجه ازمات ثلاث وهي :

1 – ازمة الاستقلال في ظل احتياجها الدائم الي مساعدات خارجية مما يجعلها غير قادرة علي انجاز سياسة خارجية تنموية، لأنه من الصعب تصور سياسة خارجية تبحث عن المساعدة الاجنبية وتعتمد عليها بشكل كبير، وفي الوقت نفسه تحقق سياسة خارجية مستقلة.

2 – ازمة الموارد، حيث تظل الأهداف المرغوبة اكبر من الأمكانات المتاحة، فضلا عن التعقيدات الداخلية والقيود الخارجية مما يجعلها عرضة للانكشاف الامني والاقتصادي.

3- ازمة الامن وصعوبة تحقيق التنمية في ظل وجود تهديدات خارجية وصراعات داخلية.

ثانيا – السيناريوهات المستقبلية للسياسة الخارجية لجمهورية جنوب السودان :

1 – التوجه جنوبا : ويعود هذا الاحتمال الي ان جنوب السودان تشكل من الناحية الجغرافية منطقه حبيسه ليس لها منافذ بحرية، وتعتمد فقط علي ميناء بورسودان، وفي حالة عجز السودان وجنوب السودان علي حل القضايا العالقة بينهما، لن يصبح امام الجنوبيين سوي التوجه جنوبا نحو ميناء مومباسا في كينيا، ودعم العلاقات مع دول منابع النيل، وذلك في ظل التعقيدات الاخري الناجمة عن الأبعاد الخارجية، ووجود تنسيق بين السودان واسرائيل، بما يعني التقارب مع موقف دول المنابع في مواجهة الموقف المصري.

2- التوجه شمالا : يظل هذا الاحتمال قائما نظرا الي رغبة الطرفين ( السودان وجنوب السودان) في حل القضايا العالقة بينهما من جهة، واستيعاب التنوع والتناقضات الداخلية، وترتيب الاوضاع في ظل الوضع الجديد، بالاضافة الي حاجة جنوب السودان الي ميناء بورسودان. وهذا السيناريو يعني ضمنيا التقارب مع الموقف المصري علي حساب التقارب مع دول المنابع.

3- الانكفاء علي الذات : وذلك في ظل التراشق الاهلي الدائر بين فريقي الرئيس سلفاكير ونائبه المقال رياك مشار، واتساع نطاق العنف المسلح فيها. لذلك ستسعي جنوب السودان الي تبني توجهات تعاونية وسياسات توازنية اقرب الي الحياد الايجابي، وعدم الدخو ل في تفاعلات صراعية.

ثالثا – مقترحات تطوير العلاقات مع جمهورية جنوب السودان :

أكد السفير ايمن مختار الجمال، سفير مصر في جمهورية جنوب السودان فيما يتعلق بالتعاون في مجال التعليم الاساسي ، ان مصر لديها ثلاث مدارس للتعليم الفني، في مدن “جوبا”، و “واو” و “بور”. (1).

كذلك تم توقيع مذكرة تفاهم في يوليو 2016 للتعاون بين البلدين في مجال التعليم الاساسي والتي تشمل كذلك اعادة تأهيل تلك المدارس وارسال بعثة تعليمية لادارتها وتشغيلها، اما عن التعليم العالي، تقدم مصر سنويا، بموجب برنامج تنفيذي للتعاون بين البلدين في مجال التعليم 250 منحة للدراسة في الجامعات المصرية، بالاضافة الي 50 منحة لدراسة الماجستير والدكتوراه، كما ان دراسة مواطني جنوب السودان في مصر لاتقتصر علي منح الحكومة المصرية فحسب، حيث بلغ عدد المقبولين نحو 1900 طالب وطالبة، بإجمالي 6 آلاف طالب تستضيفهم مصر في جامعاتها. (2).

 كما يتم انشاء فرع لجامعة الاسكندرية في مدينة “تونج” التي ستعود بالنفع علي اهالي جنوب السودان، وقد تم تجهيز الابنية التعليمية والمعامل وسكن الطلاب في مقر الجامعة التي تشمل اربع كليات هي ” الصيدلة والطب البيطري والزراعة والتربية” ، وتجري المباحثات الآن حول كيفية تشغيل وادارة الجامعة التي تسع 450 طالبا.

وفي مجال الصحة، تقدم مصر خدماتها العلاجية لمواطني الجنوب بشكل مباشر من خلال العيادات والقوافل الطبية، وبشكل غير مباشر عبر تدريب وتأهيل الكوادر البشرية التي تتلقي دورات تدريبية في مصر بهدف بناء القدرات بمختلف التخصصات الطبية، خاصة مع الثقة المتزايدة من مواطني جنوب السودان في العيادات والقوافل الطبية المصرية واقبالهم عليها.

ولدي مصر ثلاث عيادات في مدن “جوبا” و “أكون” و “بور” ، لكن التي لاتزال تعمل بانتظام العيادة الموجودة في العاصمة “جوبا” حيث يتوفر الأمن اللازم، وتستقبل يوميا العديد من الحالات في مجالات الأطفال والباطنة وأمراض النساء وغيرها.

ايضا اشار السفير المصري ايمن مختار الجمال، الي جهود الكنيسة المصرية في نفس المجال وارسالها لمجموعة من الأطباء للعمل في مستشفي “جوبا” التعليمي ، كما اشار الي قيام وزارة الدفاع المصرية بإنشاء وحدة غسيل كلوي ووحدة مناظير جهاز هضمي وتجهيز غرفة عمليات بالمستشفي العسكري بجوبا، الي جانب الجهود المبذولة من قبل الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية لإنشاء أول وحدة غسيل كلوي في مستشفي “جوبا” التعليمي.

1 – وكالة أنباء الشرق الأوسط : السفير المصري في جوبا :”دورنا مميز في تحقيق الاستقرار الشامل في جنوب السودان” ، 7 يناير 2017 .

2 – أسماء الحسيني ، : رئيس جنوب السودان سيلفاكير للأهرام : ” نقدر الدور المصري ” ، جريدة الأهرام 12 يناير 2017

في السياق نفسه، مايسري علي التعليم والصحة، يسري علي الأعلام والصحافة من خلال إعادة صياغة الدور الأعلامي المصري حيال دولة جنوب السودان، وذلك من خلال بث قناة تلفزيونية توجه للجنوب بلغاتها المحلية المختلفة، وارسال الاذاعات الموجههاليها مع زيادة قدرتها الفنية، وزيادة ساعات ارسالها، وحسن اختيار توقيت الإرسال وموض عاته، اضافة إلي زيادة إهتمام الصحف المصرية بجنوب السودان عن طريق توفير مراسلين صحفيين بها، والإهتمام بتأهيل كوادر إعلامية جنوب سودانية. (1).

مع ضرورة تخليص الرسائل الثقافية والاعلامية من اية شوائب قد تحمل ايحاءات عنصرية، بالإضافة الي ضرورة ان تحمل الرسالة الثقافية والاعلامية المصرية منظومة قيم مصرية أفريقية تربط المتلقي الأفريقي بها، وتجعله أكثر استجابة للتفاعل المصري الأفريقي.

من ناحية اخري، فلابد من زيادة دور مصر في اعمال الإغاثة الإنسانية في جنوب السودان، فقد اضحي هذا القطاع في ظل تنامي الأزمات علي المستوي العالمي من المجالات المهمة في التعاون الدولي وممارسة الدور، وهو يقوم علي تعبئة موارد مجتمعية في الأساس، ولمصر باع طويل في هذا المضمار تاريخيا عبر جمعياتها الأهلية. (2).

1 – إيهاب إبراهيم سيد ، مرجع سبق ذكره ، ص ص 153 – 154

2 – للمزيد : د/ صبحي قنصوة ، افاق تفعيل الضوء المصري في أفريقيا ، دراسة غير منشورة 2005

قائمة المراجع

أولا : مراجع باللغة العربية

أ – الكتب :

1 – د . اجلال رأفت وآخرون ، انفصال جنوب السودان : المخاطر والفرص ( بيروت : المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، ط 1 ، يوليو 2012 ) .

2 – رمزي سلامة ، مشكلة المياه في الوطن العربي : الصراع والتسوية ( الاسكندرية : منشأة دار المعارف ، ط 2 ، 2001 )

3 – عبداللطيف فاروق أحمد ، انفصال جنوب السودان وتأثيراته على الأمن القومي المصري ( القاهرة : المكتب العربي للمعارف ، 2016 )

4 – – منذر خدام ، الأمن المائي العربي : الواقع والتحديات ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، ط 2 ، 2001 )

5 – نادر نور الدين ، مصر ودول منابع النيل : الحياة والمياه والسدود والصراع ( القاهرة : دار نهضة مصر ، ط1 ، 2014 )

 ب – المقالات :

1 – بلال عبدالله ، : التداعيات الاقليمية للصراع الداخلي في جنوب السودان : ، السياسة الدولية ( القاهرة : مؤسسة الاهرام ، يناير 2014 )

2- وكالة أنباء الشرق الأوسط : السفير المصري في جوبا :”دورنا مميز في تحقيق الاستقرار الشامل في جنوب السودان” ، 7 يناير 2017 .

3 – أسماء الحسيني ، : رئيس جنوب السودان سيلفاكير للأهرام : ” نقدر الدور المصري ” ، جريدة الأهرام 12 يناير 2017

ج- الرسائل العلمية

1 – أشرف محمد كشك ، السياسة المائية المصرية تجاه دول حوض النيل ( رسالة ماجستير ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة ، 2005 )

2 – ايهاب ابراهيم السيد ، تداعيات انفصال جنوب السودان على الأمن القومي المصري ( رسالة ماجستير ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة ، 2014

3 – نهى محمد نديم ، السياسة الخارجية بجمهورية جنوب السودان وتأثيرها على الامن القومي المصري ( رسالة ماجستير ، معهد البحوث والدراسات الافريقية ، جامعة القاهرة ، 2017 ) .

د – البحوث غير المنشورة :

– هيئة البحوث العسكرية ، تأثير انفصال جنوب السودان على الامن القومي المصري : الندوة الرئيسية للقوات المسلحة ( القاهرة : هيئة البحوث العسكرية ، وزارة الدفاع المصرية ، ابريل 2012 )

– د / صبحي قنصوة ، آفاق تفعيل الضوء المصري في أفريقيا 2005

الملاحق :

الهيئة العامة للاستعلامات – ملف خاص بدولة جنوب السودان

ثانيا : مراجع باللغة الانجليزية

1- Ana Elisa Cascao , ” Changing Power Relations in the Nile River Basin : Unilateralism vs. Coopperation ? ” ,WaterAlternatives (Lonndon :WaterAlternatives,Volum 2 ,2009)

2 – Ahram Online ,”South Sudan signing Entebbe agreement ” 26 March 2013, at :http// English .ahram.org.eg/News / 67803 . aspx ( 22 -8 -2016 .11:00 am )

3- M.A .Salman ” The New State Of South Sudan and the hydro-politics of the Nile Basin “, Water International((Lonndon:Routledge ,AVol 36 .No 2 2011) Pp 158 – 159

4 – Sudan Tribune ,”Prisident Kiir concludes aquick visit to Israel” 21 -12 -2011:http// sudantribune .com .article41052 (18 – 10 m-2016 .9:00 am)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى